مجمع البحوث الاسلامية
259
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ما يسكن روعتها : كإثمارها بدون رأس ، وفي وقت الشّتاء الّذي لم يعهد ذلك فيه ، ومن غير لقاح كما هو المعتاد ، وفي ذلك إشارة أيضا إلى أنّ أصلها ثابت وفرعها في السّماء ، وإلى أنّ ولدها نافع كالثّمرة الحلواء ، وأنّه عليه السّلام سيحيي الأموات ، كما أحيا اللّه بسببه الموات ، مع ما في ذلك من اللّطف بجعل ثمرتها خرسة لها . [ أي طعاما لها ] ثانيا : قالوا : في الباء من وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ أنّها زائدة ، مثل وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة : 195 ، لكنّا لا نوافق فيها ولا في غيرها أن يكون في القرآن حرف زائد ، بلا نكتة ، فهذا بعيد عن بلاغة القرآن ، وقد ذكروا لها وجوها : منها قول الطّبريّ أنّها كما يقال : زوّجتك فلانة ، وزوّجتك بفلانة ، وكما قال : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ المؤمنون : 20 ، وإنّما تفعل العرب ذلك لأنّ الأفعال تكنّى بها بالباء ، فيقال إذا كنيّت عن « ضربت عمرا » : فعلت به ، وكذلك كلّ فعل ، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرج ، فيكون دخولها وخروجها بمعنى ، فمعنى الكلام : وهزّي إليك جذع النّخلة . ثمّ قال : « ولو فسّروه : وهزّي إليك رطبا بجذع النّخلة ، بمعنى على جذع النّخلة ، لكان وجها ، ولكن لست أحفظ عن أحد فسّره كذلك » . وحاصل ما ذكره وجهان : أحدهما : أنّ الباء هنا تشعر بالتّكنية عن « الهزّ » بالفعل ، كأنّه قال : هزّي إليك جذع النّخلة ، وافعلي بها ذلك ، فجمع بين التّصريح والتّكنية تأكيدا . ثانيهما : بالتزام التّقديم والتّأخير فيهما ، أي : وهزّي إليك رطبا بجذع النّخلة ، أي على جذع النّخلة . ومنها قول الزّمخشريّ والطّبرسيّ : إنّ الباء وصلة للتّأكيد ، كقوله : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أو على معنى افعلي الهزّ . وحاصل قولهما وجهان أيضا ؛ ثانيهما مثل الوجه الأوّل عند الطّبريّ . وابن عطيّة اختار الوجه الأوّل منه ، وهو الزّيادة تأكيدا ، إلّا أنّه قال في التّمثيل : « وفي هذا التّمثيل عندي نظر » . ومنها قول الآلوسيّ : إنّ الباء للآلة ، كما في « كتبت بالقلم » وقد فضّله على غيره من الوجوه الّتي ذكرها ، ولا بأس به ، إلّا أنّه يخطر بالبال أنّ الباء في مثله تشير إلى صعوبة الفعل وأنّه يحتاج إلى الاستعانة عليه بشيء ، فلا يصدر إلّا به . وثالثا : وبعد هذا كلّه فعليك بأن تلوك الآيتين مرّة بعد أخرى لتتذوّق بلاغة القرآن ، وتدرك جمالها ، وتقف على إعجازها . رابعا : الجذوع في ( 3 ) جمع جذع ، وجاء ( في جذوع ) مكان « على جذوع » فيظهر من ابن عبّاس أنّ ( في ) عنده بمعنى « على » وتبعه بعضهم . وهناك وجوه أخرى : 1 - إنّما صلحت ( في ) لأنّه يرفع في الخشبة في طولها ، فصلحت ( في ) و « على » كلاهما ، لأنّه يرفع فيها فيصير عليها ، ونظيره : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ البقرة : 102 . 2 - إنّ الجذع للمصلوب بمنزلة القبر للمقبور . 3 - شبّه تمكّن المصلوب في الجذع بتمكّن الشّيء المرعى في وعائه ، فقال : فِي جُذُوعِ النَّخْلِ .